الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
32
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ذكرناها آنفا ، وقد يكون تارك التّسمية عمدا آثما ، إلّا أنّ إثمه لا يبطل ذكاته ، كالصّلاة في الأرض المغصوبة عند غير أحمد . وجملة : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ معطوفة على جملة وَلا تَأْكُلُوا عطف الخبر على الإنشاء ، على رأي المحقّقين في جوازه ، وهو الحقّ ، لا سيما إذا كان العطف بالواو ، وقد أجاز عطف الخبر على الإنشاء بالواو بعض من منعه بغير الواو ، وهو قول أبي عليّ الفارسي ، واحتجّ بهذه الآية كما في « مغنى اللّبيب » . وقد جعلها الرّازي وجماعة : حالا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بناء على منع عطف الخبر على الإنشاء . والضّمير في قوله : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يعود على مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ والإخبار عنه بالمصدر وهو لَفِسْقٌ مبالغة في وصف الفعل ، وهو ذكر اسم غير اللّه ، بالفسق حتّى تجاوز الفسق صفة الفعل أن صار صفة المفعول فهو من المصدر المراد به اسم المفعول : كالخلق بمعنى المخلوق ، وهذا نظير جعله فسقا في قوله بعد : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ الأنعام : 145 ] . والتّأكيد بإنّ : لزيادة التّقرير ، وجعل في « الكشاف » الضّمير عائدا إلى الأكل المأخوذ من وَلا تَأْكُلُوا ، أي وإنّ أكله لفسق . وقوله : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ عطف على : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ، أي : واحذروا جدل أولياء الشّياطين في ذلك ، والمراد بأولياء الشّياطين : المشركون ، وهم المشار إليهم بقوله ، فيما مرّ : يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ [ الأنعام : 112 ] وقد تقدّم بيانه . والمجادلة المنازعة بالقول للإقناع بالرأي ، وتقدّم بيانها عند قوله تعالى : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ في سورة النساء [ 107 ] ، والمراد هنا المجادلة في إبطال أحكام الإسلام وتحبيب الكفر وشعائره ، مثل قولهم : كيف نأكل ما نقتل بأيدينا ولا نأكل ما قتله اللّه . وقوله : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ حذف متعلّق أَطَعْتُمُوهُمْ لدلالة المقام عليه ، أي : إن أطعتموهم فيما يجادلونكم فيه ، وهو الطّعن في الإسلام ، والشكّ في صحّة أحكامه . وجملة : إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ جواب الشّرط . وتأكيد الخبر بإنّ لتحقيق التحاقهم بالمشركين إذا أطاعوا الشّياطين ، وإن لم يدعوا للّه شركاء ، لأنّ تخطئة أحكام الإسلام تساوي الشرك ، فلذلك احتيج إلى التّأكيد ، أو أراد : إنّكم لصائرون إلى الشّرك ، فإنّ الشّياطين تستدرجكم بالمجادلة حتّى يبلغوا بكم إلى الشرك ، فيكون اسم الفاعل مرادا به